ابن أبي الحديد

188

شرح نهج البلاغة

أحدها : أن أمره ( عليه السلام ) بذلك لابد أن يكون مشروطا بالمصلحة ، وألا يعرض ما هو أهم من نفوذ الجيش ، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ وإن أعقب ضررا في الدين ، فأما قول المرتضى : الامر المطلق يدل على ثبوت المصلحة ، ولا يجوز أن يجعل الامر المطلق ، فقول جيد إذا اعترض به على الوجه الذي أورده قاضي القضاة ، فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر فإنه يندفع كلام المرتضى ، وذلك أنه يجوز تخصيص عمومات النصوص بالقياس الجلي عند كثير من أصحابنا ، على ما هو مذكور في أصول الفقه ، فلم لا يجوز لأبي بكر أن يخص عموم قوله : " أنفذوا بعث أسامة " لمصلحة غلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه ، ولمفسدة غلبت على نفسه ( 1 ) في نفوذه نفسه مع البعث ! وثانيها : أنه ( عليه السلام ) كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحى يحرم مخالفته . فأما قول المرتضى : إن للدين تعلقا قويا بأمثال ذلك ( 2 ) ، وإنها ليست من الأمور الدنياوية المحضة نحو أكله شربه ونومه ، فإنه يعود على الاسلام بفتوحه عز وقوة وعلو كلمة فيقال له : وإذا أكل اللحم وقوى مزاجه بذلك ونام نوما طبيعيا يزول عنه به المرض والإعياء ، اقتضى ذلك أيضا عز الاسلام وقوته ، فقل إن ذلك أيضا عن وحى . ثم إن الذي يقتضيه فتوحه وغزواته وحروبه من العز وعلو الكلمة لا ينافي كون تلك الغزوات والحروب باجتهاده ، لأنه لا منافاة بين اجتهاده وبين عز الدين وعلو كلمته بحروبه ، وأن الذي ينافي اجتهاده بالرأي هو مثل فرائض الصلوات ومقادير الزكوات ومناسك الحج ، ونحو ذلك من الاحكام التي تشعر بأنها متلقاة من محض الوحي ، وليس للرأي والاجتهاد فيها مدخل ، وقد خرج بهذا الكلام الجواب عن قوله :

--> ( 1 ) في د " ظنه " . ( 2 ) ا : " هذا " .